المقريزي
291
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )
يكره ، فبادروا حتى أفرجوا عنه وكان هذا المذكور عاميّا غير معدود من أرباب الرّتب ولا ذوي الوجاهات وإنّما فعل السّلطان ما فعل من إكرامه لما عهد من عادته في المبالغة في إكرام الأشراف وبرّهم وإجزال العطاء لهم بحيث كان الشريف إذا قدم عليه من مكة أو المدينة جائزته ألف دينار سوى الخيل والجمال والثّياب ، فوفد عليه من أجل هذا جماعات كثيرة من أشراف الحجاز ومصر وما منهم إلا من يوصله ذلك ، وكان يبعث في كلّ سنة بخمسة آلاف دينار ذهبا تفرّق بالقاهرة ومكة والمدينة ، فمنها ما هو مقدّر بأسماء أناس ما بين مائة دينار الواحد إلى ما دونها فإن تأخّر إرساله ذلك في سنة بعث من قابل بعشرة آلاف دينار فجرى الرّسم على ذلك عدّة أعوام متطاولة . وكان يمرّ في الأسواق بمفرده ويسلّم على النّاس بحيث يجيب من دعاه من رجل أو امرأة ويقف له حتى يقضي حاجته ويعمل نظره في أمر مملكته وأحوال رعيته بحيث لا يكاد يشذ عنه من ذلك شيء ولا يكاد يرد إلى بلده غريب وإن قلّ إلا ويعرف به وبما جاء فيه ، فإن اقتضى الحال مثول القادم بين يديه أخذ يعرّفه بما قدم من أجله ويكثر مما مرّ له في سفره ، حتى تعجّب له وذلك لتيقظه وترتيبه أصحاب الأخبار ومطالعتهم إياه بكلّ ما يتجدد في سائر أعماله ، ولقد مرّ بعض الأيام بشارع تونس وإذا الخبّاز يحمل فوق رأسه الخبز ليبيعه ، فأخذ بيده رغيفا وقال : بكم هذا ؟ فقال : بربع درهم يا مولانا . فقال : يا مسلمين اللّه اللّه القفيز بنصف دينار وهذا بربع وانصرف فأمر بإحضار المحتسب وأخذ في الكلام معه في القمح وسعره حتى تبين أن زنة الرغيف يتعين أن تكون أكثر مما هي الآن فأمضى ما قرّره من غير حيف ولا غبن . وكان والده السلطان أبو العباس قد اشترى بستانا وزاد في غراسه وبناه بناء تأنّق فيه ، فادعى البائع في أيام أبي فارس أنه غبن وظلم واستدعى أبا فارس لمحاكمته عند القاضي وكان قد تهيأ للخروج إلى الصّيد على أن يغيب ثلاثة أيام ، وركب لذلك فطلب من الرجل أن يمهله